حيدر حب الله

118

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

وكمثال على ذلك آية السعي بين الصفا والمروة ، حيث قال تعالى : ( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ) ( البقرة : 158 ) ، فهذه الآية - كما يقول بعض العلماء « 1 » - توحي بدلالة الآية على جواز السعي بين الصفا والمروة ، مع أنّ هذا السعي واجب ، لكن عندما نعرف السبب وأنّه وجود الأصنام في المسعى وقلق المسلمين من السعي بينهما مع وجود الأصنام ، نفهم أنّ نفي الجناح في الآية ليس عن السعي ، بل عن حالة وجود الأصنام وأنت تسعى ، فيختلف فهمنا للآية الكريمة - نسبياً - إذا صحّ سبب النزول هذا . البُعد الثالث : بُعد السياق التاريخي العام أقصد منه أن تكون لدى الفقيه القرآني ثقافة تاريخية عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في شبه الجزيرة العربية وفي المنطقة عموماً ؛ لأنّ القرآن الكريم جاء ليصحّح الانحرافات القائمة ، فكلّما وعينا بواقع المجتمع المحيط ، فهمنا نظر الآيات إلى أين يكون . ولهذا لا يمكن للإنسان أن يفهم جملة من الآيات القرآنية ما لم يفهم ثقافة المجتمع الذي نزلت فيه هذه الآيات ، والأديان التي كانت موجودة ، والمعتقدات ، والعادات ، والأعراف ، والطقوس و . . ففهم هذا المحيط يعطي وضوحاً أكبر . وكمثال على ذلك مسألة الشرك والتوحيد ، فالقرآن حرّم الشرك ونهى عنه ، لكن ما هو الشرك الذي ندّد القرآن به ودان العرب على فعله ؟ إنّ فهم عقائد العرب ضرورة كبيرة لفهم مراد القرآن من المنهيّ عنه في الشرك ، فهل شرك العرب شركٌ في

--> ( 1 ) محمد باقر الحكيم ، علوم القرآن : 39 - 40 .